زكريا القزويني

367

آثار البلاد واخبار العباد

دور قرية من قرى بغداد من أعمال دجيل . ينسب إليها يحيى بن محمّد بن هبيرة وزير المقتفي . كان وزيرا ذا رأي وعلم ودين وثبات في الأمور . حكى الوزير وقال : تطاول علينا مسعود بن محمود السلجوقي ، فعزم المقتفي أن يحاربه فقلت : هذا ليس بصواب ! ولا وجه لنا إلّا الالتجاء إلى اللّه . فاستصوب رأيي فخرجت من عنده يوم الجمعة لأربع وعشرين من جمادى الأولى وقلت : ان النبيّ ، عليه السلام ، دعا شهرا فينبغي أن ندعو شهرا . ثمّ لازمت الدعاء كلّ ليلة إلى أن كان يوم الرابع والعشرين من جمادى الآخرة ، فجاء الخبر بأن السلطان مات على سرير ملكه وتبدّد شمل أصحابه ، وأورثنا اللّه أرضهم وديارهم . حكي أنه قبل وزارته كان بينه وبين رجل بغدادي ساكن بالجانب الغربي صداقة ، فسلّم الرجل إلى يحيى ثلاثمائة دينار وقال له : إذا أنا متّ جهزني منها ، وادفني بمقبرة معروف الكرخي ، وتصدّق بالباقي على الفقراء . فلمّا مات قام يحيى وجهزه ودفنه كما وصى والذهب في كمّه عائدا إلى الجانب الشرقي ، قال : فوقفت على الجسر فسقط الذهب من كمّي في الماء وهو مربوط في منديل ، فضربت بيدي على الأخرى وحولقت ، فقال رجل : ما لك ؟ فحكيت له فخلع ثيابه وغاص ، وطلع والمنديل في فمه ، فأخذت المنديل وأعطيته منها خمسة دنانير ، ففرح بذلك ولعن أباه ، فأنكرت عليه فقال : انّه مات وأزواني ! فسألته عن أبيه فإذا هو ابن الرجل الميت فقلت : من يشهد لك بذلك ؟ فأتى بمن شهد له انّه ابن ذلك الميت فسلّمت إليه المال . وكان كثيرا ما ينشد لنفسه : يا أيّها النّاس ، إني ناصح لكم * فعوا كلامي فإني ذو تجاريب لا تلهينّكم الدّنيا بزخرفها * فما يدوم على حسن ولا طيب !